سليمان بن موسى الكلاعي

332

الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا

الرجل قد سمعت مقالتك وما ذكرت عنك وعن أصحابك ، ولعمرى ما بلغتم إلا بما ذكرت ، وما ظهرتم على من ظهرتم عليه إلا بحبهم الدنيا ورغبتهم فيها ، وقد توجه إلينا لقتالكم من جمع الروم ما لا يحصى عدده ، قوم يعرفون بالنجدة والشدة ، لا يبالي أحدهم من لقى ولا من قاتل ، وإنا لنعلم أنكم لن تقووا عليهم ، ولن تطيقونهم لضعفكم وقلتكم وقد أقمتم بين أظهرنا أشهرا وأنتم في ضيق وشدة من معاشكم وحالكم ، ونحن نرق عليكم لضعفكم وقلتكم وقلة ما بأيديكم ، ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكل رجل منكم دينارين دينارين ، ولأميركم مائة دينار ، ولخليفتكم ألف دينار ، فتقبضوها وتنصرفوا إلى بلادكم ، قبل أن يغشاكم ما لا قبل لكم به . فقال عبادة بن الصامت : يا هذا لا تغرن نفسك ولا أصحابك ، أما ما تخوفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم ، وأنا لا نقوى عليهم ، فلعمري ما هذا بالذي يخوفنا ، ولا بالذي يكسرنا عما نحن فيه ، إن كان ما قلتم حقا فذلك والله أرغب ما يكون في قتالكم ، وأشد لحرصنا عليكم ؛ لأن ذلك أعذر لنا عند ربنا إذا قدمنا عليه ، وإن قتلنا من آخرنا كان أمكن لنا في رضوانه وجنته ، وما من شئ أقر لأعيننا ولا أحب إلينا من ذلك ، وإنا منكم حينئذ على إحدى الحسنيين : إما أن تعظم لنا بذلك غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم ، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا ، وإنها لأحب الخصلتين إلينا بعد الاجتهاد منا ، وإن الله عز وجل قال لنا في كتابه : كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [ البقرة : 249 ] ، وما منا من رجل إلا وهو يدعو ربه صباحا ومساء أن يرزقه الله الشهادة وألا يرده إلى بلاده ولا إلى أرضه ولا إلى أهله وولده ، وليس لأحد منا همّ فيما خلفه ، وقد استودع كل واحد منا ربه في أهله وولده ، وإنما همنا ما أمامنا ، وأما قولك : إنا في ضيق وشدة من معاشنا وحالنا ، فنحن في أوسع السعة ، لو كانت الدنيا كلها لنا ما أردنا منها لأنفسنا أكثر مما نحن عليه ، فانظر الذي تريد فبينه لنا ، فليس بيننا وبينك خصلة نقبلها منك ولا نجيبك إليها إلا خصلة من ثلاث ، فاختر أيها شئت ولا تطمع نفسك بالباطل ، بذلك أمرني الأمير ، وبه أمره أمير المؤمنين ، وهو عهد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم من قبل إلينا : إما أجبتم إلى الإسلام الذي هو الدين الذي لا يقبل الله غيره ، وهو دين أنبيائه ورسله وملائكته ، أمرنا أن نقاتل من خالفه ورغب عنه حتى يدخل فيه ، فإن فعل كان له ما لنا وعليه ما علينا ، وكان أخانا في دين الله ، فإن قبلت ذلك أنت وأصحابك فقد سعدتم في الدنيا والآخرة ، ورجعنا عن قتالكم ، ولم نستحل أذاكم ولا التعرض لكم ، وإن أبيتم إلا الجزية فأدوا إلينا الجزية عن يد وأنتم